بعد ارتفاع معدلات (طفشان) الأزواج.. زوجات يروين الحكاية

1٬610

تحقيق: إسراء بلال
ألقت الأوضاع الاقتصادية المتردية بظلالها على كافة مناحي الحياة بالبلاد خاصة الحياة الزوجية، فهناك من لجأ الى الانفصال مما أدى الى ارتفاع نسبة الطلاق في البلاد، والآخر فضل حياة العزوبية. ولكن الأخطر من ذلك هروب الزوج من المسؤولية وترك الأمر للزوجة المغلوبة على أمرها، لعدم قدرته على تحمل احتياجات منزله في ظل ارتفاع معدلات العجز عن العمل وانخفاض مستوى الأجور.

وكشف هذا التحقيق الذي أجرته (الانتباهة) عن وجود كثير من هذه الحالات، وقالت مواطنة ــ فضلت حجب اسمها ــ إن زوجها طفش وترك لها أربعة أطفال ولا تعلم أين هو، مؤكدة أن ذلك أثر في أبنائها نفسياً. وفي المقابل أكد الداعية الإسلامي إسماعيل الحكيم أن هروب الأزواج من المسؤولية اذا كان عن قصد فيه إثم كبير.
هروب بدون عودة
بعد انتشار ظاهرة (طفشان) الازواج والهروب من المسؤولية التقت (الإنتباهة) عدداً من الزوجات اللاتي روين تفاصيل ما حدث لهن، حيث قالت المواطنة (س. ز): (طفش زوجي قبل سنوات ولم يعد حتى الآن، على الرغم من أنه ترك لي مسؤولية أربعة أطفال، ولا أستطيع تحمل هذه المسؤولية لصعوبة المعيشة التي تواجهني، خاصة أن الأطفال يحتاجون لكثير من المتطلبات ولا يقدرون عدم وجود الشيء، وهذا الأمر أثر فيهم نفسياً في المجتمع العام والمجتمع الدراسي بسؤالهم المتكرر (أبوكم وين)، مما سبب لهم حرجاً بين زملائهم واصبحوا انطوائيين، والهروب ليس حلاً يجعلك تترك أبناءك في حالة نفسية سيئة، وهذه المشكلة ايضاً أثرت في وسببت لي اضطرابات نفسية أدت الى حالة اكتئاب، واصبحت لدي افعال سلبية تجاه ابنائي كالضرب والانفعالات بسبب الضغط الذي أعيشه، وفي كثير من الأحيان أتظاهر بالتمسك والقوة أمامهم حتى لا ينهاروا أكثر من ذلك. و (طفشان) الزوج قد يؤدي الى لجوء بعض الزوجات الى طريق غير صحيح، كما تسببت هذه المشكلة في تشرد الأطفال في الشوارع واللجوء الى تعاطي الخمور والسجائر والسلسيون، كما تسببت في التسول، ومعظم المشردين والمتسولين لم تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة، مما وادى الى تفكك الأسر، وعبركم أطالب أهل الزوج بالمشاركة والمساعدة في تربية الابناء مع الزوجة حال (طفش) الزوج، كما أطالب الدولة بتوفير إعاشة لهؤلاء الأطفال).
ومن جانبها قالت المواطنة (م. ج): (طفش زوجي وتركني وأبنائي ولم نعرف مكانه، وأنا غير قادرة على اعاشة ابنائي، خاصة انني اسكن في منزل أهل زوجي، وواجهتني كثير من الضغوطات وتركت المنزل وذهبت الى منزل أسرتي، وتكفل والدي بإعاشة ابنائي، وكثير من الزوجات يعانين من هذه المشكلة التي قد تتسبب في حالات نفسية لأبنائنا، وقد تؤثر فينا نحن كزوجات، ونطالب اهل الخير والحكومة بالنظر في امر أية زوجة هرب زوجها وإعاشة ابنائها والتكفل بدعمهم في الدراسة والمأكل والمشرب والسكن وتوفير وسيلة انتاج، حتى لا يلجأ هؤلاء الأطفال الى سلوكيات غير رشيدة في ظل عدم قدرتنا على توفير احتياجاتهم).

هروب واعتراف
ولكن المواطن (أ. م) روى لـ (الانتباهة) تفاصيل هروبه من بيته، حيث قال: (لدي خمسة أطفال، وكنت أعمل تاجراً في السوق، وبعد فترة تدهورت أوضاعي ودخلت في ديون، مما أجبرني على ترك بيتي ومدينتي دون أن أخبر حتى زوجتي بمكاني، وكل يوم يمر علي أصعب من الذي قبله، لأنني عندما تركت أبنائي لم أترك لهم شيئاً ولا أعلم كيف يعيشون، ولثلاثة أعوام لم أتصل بهم، ولكني كنت أطمئن عليهم من على البعد عبر صديق لي طلبت منه عدم إخبار أحد بمكاني، علماً بأنني سوف أعود عندما أحسن أوضاعي، وأطلب من كل الأزواج عدم الابتعاد عن ابنائهم حتى لا يندموا مثلي).

ضغوط نفسية
وفي ذات السياق قال استشاري الطب النفسي علي بلدو لـ (الانتباهة) إن الضغوطات على رب الأسرة الذي يقوم بمهام إعالة اسرته الصغيرة والكبيرة والهموم الملقاة على عاتقه من توفير المأكل والملبس والمسكن والتعليم والصحة وغيرها في ظل المشكلات الاقتصادية المزمنة وانسداد الأفق الاقتصادي والسياسي وتضخم الأسعار، أدت الى نوع من الإرهاق النفسي والشعور بعدم الراحة والهموم اليومية في توفير لقمة العيش، بجانب الشعور بالدونية عند العجز عن توفير تلك المتطلبات، مشيراً الى أن ذلك يجعل رب الأسر يعاني اشد المعاناة وهو يرى زوجته المريضة تُحتضر دون ان يقدم لها شيئاً، ويرى ابناءه يتوقفون عن الدراسة بسبب الرسوم دون ان يتحرك، وهذا يؤدي الى الشعور بالضعف والوهن النفسي مما قد يقوده للشعور بأن صورته لم تعد كما كانت من قبل امام ابنائه، بجانب ظهور العديد من الخلافات الزوجية وحدوث نوع من العنف المنزلي، لافتاً الى ان هناك العديد من الخلافات الزوجية بسبب المشكلات الاقتصادية، مما ادى الى ارتفاع وتيرة الغضب لدى الأزواج الذي يؤدي الى الطلاق، وتابع قائلاً ان (الطفشان) هو الحل الوحيد لتلك المشكلات ونوه بأن (الطفشان) أنواع، الاول جزئي وهو بقاء الزوج مع أصدقائه خارج المنزل، والثاني (طفشان) كلي، بجانب وجود (طفشان) إسفيري ورقمي, وقال بلدو إن الخلافات داخل المنزل وانعدام الخصوصية والشعور بعدم القدرة على تنمية الطموحات والحياة الروتينية التي يعيشها معظم الازواج وانعدام التناغم بين الأزواج وعدم وجود نوع من اللغة المشتركة في تجديد الحياة الزوجية، تؤدي الى الملل والضجر والإعياء الجسدي والذهني والنفسي للزوج، فيبحث عن مسارات ومسارب اخرى تجعله يفكر في الخروج من المنزل او السفر او الهجرة خارج السودان او الاختفاء الاختياري عن الزوجة وعن ابنائه، وأضاف قائلاً: (إن 90% من حالات الاختفاء لدى الأزواج تكون بسبب (الطفشان) او الاختفاء خوفاً من الحياة الزوجية غير المستقرة، وتعقد الحياة ادى الى اشياء غير كريمة كإدمان المخدرات والكحول والسلوكيات الضارة والانحرافات السلوكية والأخلاقية الخطيرة التي تسببت في الهروب من المسؤولية وتحمل الأعباء المختلفة في التربية والتعليم والصرف على الالتزامات الزوجية، ولا بد من تقديم الدعم النفسي والأسري للأزواج والزوجات، بجانب التوسع في انشاء مراكز البحث النفسي والاجتماعي والإرشاد الأسري، وعمل الخطوط الساخنة لتفريغ الشحنات النفسية السالبة، وتقديم النصح والإرشاد للأزواج والزوجات في كيفية التعامل مع الضغوط، واقامة دورات وفنون للتعامل مع الضغط النفسي والاجتماعي)، مطالباً الدولة بتحمل مسؤولياتها بتوفير الحياة الكريمة للمواطنين وتنشئة الأبناء بصورة جيدة.

(نقة) النسوان
وفي ذات السياق تقول الباحثة الاجتماعية غادة الخليفة لـ (الانتباهة) إن الاسباب التي تؤدي الى هروب الازواج قد تكون مادية وعدم توفير متطلبات المعيشة للأبناء، بجانب كثرة المشكلات بين الزوج والزوجة. واضافت قائلة: (في نسوان نقناقات وكلامهن كثير مما يجعل الزوج يحاول الهروب من الواقع، وهناك أزواج أغنياء يستطيعون تحمل مسؤولية أسرهم، ولكن الزوج قد يهرب حال دخلت بنت صغيرة حياته وأقنعته بترك أسرته ليعيش بقية حياته معها)، وناشدت الزوجات الالتزام بالصبر والاقتراب من الله أكثر والنظر الى أبنائهن، وقالت: (لو مشى مية سنة بجيها راجع)، وزادت قائلة: (أنصح الزوجة بأن تقدم المساعدة لزوجها ومشاركته بالعمل في مصدر دخل كالتجارة وغيرها حتى لا يلجأ للهروب). وأضافت قائلة: (يجب على الزوجات في مثل هذه المشكلات عدم اللجوء الى المحاكم والجلوس مع الكبار والأجاويد للحل، والأسر السودانية بطبيعتها لا تحبذ اللجوء الى القانون، ودائماً ما يقولون هذا المثل (الشكاك عاداك) وهذه المشكلات لها دور كبير في التأثير على الأبناء خصوصاً في عمر دون سن العاشرة)، منوهةً بأنها يمكن أن تتسبب لهم في أمراض التوحد والتأثير في مستواهم الأكاديمي، محذرة من لجوء الأبناء في سن المراهقة الى تعاطي المخدرات وغيرها.
ذنب كبير
وفي المقابل يرى الداعية الإسلامي إسماعيل الحكيم في حديثه لـ (الانتباهة) أن هروب الأزواج من المسؤولية عن قصد له ذنب كبير في الدين، معتبراً أن مسؤولية الأبناء تقع على عاتق الأب وهم أمانة عنده، ويجب أن يرعاهم وينشئهم تنشئة جيدة، مشيراً الى وجود أسباب دفعت الزوج الى الهروب، وصرح قائلاً: (لا بد من النظر الى حالة هروب الزوج، كما لا بد من معرفة السبب الذي ادى الى الهروب من المسؤولية، ونحن لا نشجع الزوجة على الذهاب الى المحكمة، لأنه في بعض الأحيان هناك مشكلات تحل دون محاكم، خاصة المشكلات الاجتماعية التي عندما تُعرض على المحاكم تزداد تعقيداً، كما لا ننصح باللجوء الى المحاكم ما لم يلجأوا الى الكبار لحل المشكلة أو الوصول الى طريق مسدود، وننصح الازواج بأن يصبروا ويتحملوا الظروف والضغوطات التي يمر بها الشعب السوداني و (يمشوا) لبعض، ويؤمنوا بأن كل شيء قسمة ونصيب، وكان الله في عون الجميع).

التعليقات مغلقة.